|
Untitled Document
أسباب الوصايا المتعلقة بالمأكولات الحلال
لم نعرف الأسباب الحقيقية لورود مثل هذا النوع المعقد لقوانين التغذية في التوراة ولكن كتب الحاخام موسى بن ميمون القرطبي أسباباً عديدة لهذه الشرائع في كتابه الهام «دلالة الحائرين» الذي ألفه باللغة العربية وبالحروف العبرية، كما يلي:
واعلم أن هذه العلامات أعني الاجترار وانشقاق الظلف في البهائم والأجنحة والفلوس في السمك ليس وجودها سبب الحل ولا عدمها سبب الحرمان. وإنما هي علامة يعلم بها النوع المحمود من النوع المذموم. أما علة وريد عضلة الورك فمنصوصة. وأما علة عضو مقطوع من الحيوان فهو كونه يكسب قساوة. وهكذا أيضاً كان يفعل ملوك الأمم حينئذ، وكذلك أيضاً كان يفعل لعبادة الوثن أعني أنه كان يقطع من البهيمة عضو مخصوص ويؤكل.
وأما تحريم اللحم مع الحليب، فمع كونه غذاء غليظاً جداً بلا شك، ويوجد امتلاء كثيراً، فما يبعد عندي أن يكون لعبادة الوثن في ذلك مدخل. لعل هكذا كان يؤكل في عبادة من عباداتها أو في عيد من أعيادهم. ومما يؤكد هذا عندي كون تحريم اللحم مع الحليب إنما ذكره مرتين في أول التشريع به عند ذكره فريضة الحج ﴿الحج يكون ثلاث مرات في السنة﴾ فكأنه يقول عند حجكم ودخولكم في بيت الرب لا تطبخ ما يطبخوا هناك على صورة كذا، كما كانوا هم يفعلون. هذا هو الأوقع عندي في علة حرمانه، لكني لم أر ذلك مسطوراً فيما طالعته من الكتب الصابئة.
وأما الأمر بذبح الحيوان فضروري وذلك أن الغذاء الطبيعي للإنسان إنما هو من الحبوب النابتة من الأرض ومن لحوم الحيوان. وأفضل اللحوم هو الذي أبيح لنا أكله. وهذا ما لا يجهله طبيب. فلما دعت ضرورة جودة الغذاء لقتله أسهل موته له، وحُرّم أن يعذب بالذبح الفاسد، ولا يُنحر، ولا يُقطع منه عضو كما بيّنا. وكذلك حرّم أن يذبح إيّاه أبوه وابنه في يوم واحد احتياطاً وأبغاداً أياك أن يذبح منها الولد أمام الأم. فأن ألم الحيوان لذلك عظيم جداً. إذ لا فرق بين ألم الإنسان لذلك وألم سائر الحيوان، لأن محبة الأم وحنتها على الولد ليس هو تابعاً للنطق بل لفعل القوة المتخيلة الموجودة في أكثر الحيوان، كوجودها في الإنسان. فكان هذا الحكم مخصوصاً بالثور والشاة لأنها التي يحل لنا أكلها من الأهلية المعتاد أكلها في الأكثر، وهي التي تعرف منها الأم من الولد.
(دلالة الحائرين ٣: ٤٨)
|