١. القاعدة الأولى وجود الباري سبحانه. وذلك أن ثم موجود بأكمل أنحاء الوجود، وهو علة [سبب] وجود الموجودات كلها، وبه قوام وجودها ومنه تستمد البقاء ولو قدرنا ارتفاع وجوده لبطل وجود كل موجود ولم يبق مستقل بوجوده، ولو قدرنا ارتفاع الموجودات كلها غيره لما بطل وجوده تعالى ولا نقص، لأنه تعالى غني غير متفقر في وجوده لغيره...وهذه القاعدة الأولى [تشير عليها الكلمة الأولى من الكلمات العشر] ﴿أَنَا ٱللهُ رَبُّكَ الَّذِي أَخْرَجْتُكَ مِنْ بَلَدِ مِصْرَ مِنْ بِيتِ عُبُودِيَّةِ لاَ يَكُنْ لَكَ مَعْبُود آخْر مِن دُونِي﴾ (الخروج ٢٠: ٢ ترجمة كتاب التاج)
٢. القاعدة الثانية وحدته تعالى. وذلك أن هذا علة الكل واحد، ليس كواحد الجنس ولا كواحد النوع، ولا كالشخص الواحد المركب الذي هو ينقسم لآحاد كثيرة، ولا واحد كالجسم البسيط الواحد بالعدد الذي يقبل الانقسام والتجزؤ إلى ما لا نهاية، بل هو تعالى واحد بوحدة ليس كمثلها وحدة بوجه. وهذه القاعدة الثانية هي المدلول عليها بقوله ﴿اِعْلَمْ يَا إِسْرَائِيلَ إِنَّ اللهَ رَبُّنَا اللهُ ٱلوَاحِدُ﴾ (التثنية ٦:٤ ترجمة كتاب التاج)
٣. القاعدة الثالثة نفي الجسمانية عنه. وذلك أن هذا الواحد ما هو [ليس له] جسم ولا قوة في جسم، ولا تلحقه لواحق الجسم مثل الحركة والسكون...وهذه القاعدة هي المدلول عليها بقوله ﴿فَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً مَا حِينَ خَاطَبَكُمُ الرَّبُّ فِي جَبَلِ حُورِيبَ مِنْ وَسَطِ النَّارِ﴾ (التثنية ٤: ١٥ ترجمة كتاب الحياة) يعني لم تدركوه [لم تعرفوه صاحب ﴿صُورَةً﴾] لأنه كما قلنا لا جسم ولا قوة لجسم.
٤. والقاعدة الرابعة القِدَم. وذلك أن هذا الواحد الموصوف هو القديم على الإطلاق، وكل موجودٍ غيره فهو غير قديم بنسبة إليه، ودلائل هذا في الكتب كثيرةٌ. وهذه القاعدة الرابعة هي المدلول عليها بقوله ﴿فَالإِلَهُ الأَبَدِيُّ هُوَ مَلْجَأُكُمْ﴾ (التثنية ٣٣: ٢٧ ترجمة كتاب الحياة) وأعلم أن قاعدة شريعة [موسى النبي عليه السلام] الكبرى هي كون العالم محدث كوّنه الله وخلقه بعد العدم المحض (وُجدت هذه الجملة على هامش ورقه في مخطوطة الأصلية المكتوبة بيد الحاخام).
٥. القاعدة الخامسة إنه تعالى هو الذي ينبغي أن يعبدَ ويعظّمَ ويعلن بتعظيمه وطاعته. ولا يُفعل ذلك لمن دونه في الوجود من الملائكة والكواكب والأفلاك وما تركب منها، لأنها كلها مطبوعة على أفعالها لا حكم لها ولا اختيار إلا حبّه تعالى، ولا تتخذ وسائط للتوصل إليه، بل نحوه تعالى تقصد الأفكار وتضرب عما دونه. وهذه القاعدة الخامسة هي النهي عن عبادة الأوثان، [إن أكثر مواضيع التوراة تنهينا عن عبادة الأوثان].
٦. والقاعدة السادسة النبوة. وذلك بأن يعلم أن هذا النوع الإنساني قد يوجد فيه أشخاص لهم فطرة فائقة جداً وكمال كثير، وتتهيأ نفوسهم حتى تقبل صورة العقل، ثم يتصل ذلك العقل الإنساني بالعقل الفعال فيفيض عليهم منه فيض كريم، وأولئك هم الأنبياء. وهذه هي النبوة وهذا معناها...ونصوص التوراة تشهد بنبوة أنبياء كثيرين.
٧. والقاعدة السابعة نبوة سيدنا موسى عليه السلام. وذلك بأن يُعتقد أنه أبٌ لجميع الأنبياء المتقدمين قبله والمتأخرين بعده. الكل هم دونه في الرتبة، وهو صفو الله من جميع النوع الإنساني، المدرك منه تعالى أكثر مما أدرك ويدرك كل إنسان وُجد ويُوجد، وأنه عليه السلام تناهى في العلو عن الإنسانية...وكهذا المعنى كُنى عنه بكونه يخاطب الله دون وساطة الملائكة.
٨. والقاعدة الثامنة هي «التوراة من السماء». وذلك بأنْ يعتقدَ أن جميع هذه التوراة الموجدة بأيدينا يومنا هذا هي التوراة المنزلة على موسى، وإنها كلها [من المولى تعالى] أعني إنها وصلت له كلها من قبل الله الوصول الذي يسميه على سبيل المجاز «كلام»، ولا يعلم كيفية ذلك الوصول إلا هو عليه السلام، الذي وصل إليه، وأنه بمنزلة ناسخ يملي عليه وهو ينسخ ويكتب جميعها تواريخها وأخبارها وشرائعها وكذا سمي﴿ ﴾ [نَقَّاش] (العدد ٢١: ١٨)...والقول المدلول به على هذه القاعدة الثامنة هو قوله ﴿فَقَالَ مُوسَى: «بِهَذَا تَعْرِفُونَ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَرْسَلَنِي لأُجْرِيَ كُلَّ هَذِهِ الأَعْمَالِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنْ نَفْسِي»﴾ (العدد ١٦: ٢٨ ترجمة كتاب الحياة)
٩. والقاعدة التاسعة النسخ. وذلك أن هذه شريعة موسى لا تنسخ، ولا تأتي شريعة من قبل الله غيرها، ولا يزاد فيها ولا ينقص منها لا في النص ولا في التفسير، قال ﴿فَاحْرِصُوا عَلَى طَاعَةِ كُلِّ مَا أُوْصِيكُمْ بِهِ، لاَ تَزِيدُوا عَلَيْهِ وَلاَ تُنَقِّصُوا مِنْهُ﴾ (التثنية ١٢ :٣٢ ترجمة كتاب الحياة).
١٠. والقاعدة العاشرة أنه تعالى يعلم أفعال الناس ولا يُهْملهُم [الإشراف الإلهي والعناية الإلهية]. وليس كرأي من قال ترك الله هذه الأرض، بل كما قال ﴿عَظِيمٌ فِي الْمَشُورَةِ وَقَادِرٌ فِي الْعَمَلِ، وَعَيْنَاكَ مَفْتُوحَتَانِ تُرَاقِبَانِ جَمِيعَ طُرُقِ الإِنْسَانِ لِتُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ تَصَرُّفَاتِهِ وَثِمَارِ أَعْمَالِهِ﴾ (أرمياء ٣٢ : ١٩ ترجمة كتاب الحياة) وقال ﴿وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ﴾ (التكوين ٦ : ٥ ترجمة كتاب الحياة) وقال ﴿وَقَالَ الرَّبُّ: «لأَنَّ الشَّكْوَى ضِدَّ مَظَالِمِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَتْ وَخَطِيئَتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدّاً﴾ (التكوين ١٨ : ٢٠ ترجمة كتاب الحياة)، فهذه يدل على هذه القاعدة العاشرة.
١١. القاعدة الحادية عشرة المبدأ ان الله يعطي مكافأة لمن يذهب الطريق المستقيم ويعاقب من يذنب ويفعل أفعال بائسة
١٢. القاعدة الثانية عشرة أنه أيام المسيح المخلص المنتظر.
١٣. القاعدة الثلاثة عشر أنه البعث أو يوم القيامة.
فقال الحاخام موسى بن ميمون إن جميع الأشخاص الصالحين والمستقيمين من كل الأديان، شريطة ألاَّ يكونوا مشركين بالله تعالى ووثنيين، سوف ينتقلون إلى الجنة (من أقواله في «كتاب التثنية» باب "قضاة" في "شرائع الملوك" ٨: ١١). وعلى اليهود أن يؤدوا كل الأوامر التي تطلب التوراة منهم (التثنية ٢٦: ١٨) ليستطيعوا دخول الجنة. وقد جاء في الكتاب التوسِفْتا ("سَنهدرين" أو "المحكمة العليا" ١٣: ٢) ما فسّر الحاخام يسوع بن حَنَنْيَا عن الآية من المزمور ﴿مَآلُ الأَشْرَارِ إِلَى الْجَحِيمِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الأُمَمِ النَّاسِينَ اللهَ﴾ (٩: ١٨ ترجمة كتاب الحياة) بأن ﴿النَّاسِينَ اللهَ﴾ هم ﴿الأشرار﴾ فهم الذين كتب عليهم أن يذهبوا ﴿إِلَى الْجَحِيمِ﴾ فقط، ولا فرق في ذلك بين اليهود وغير اليهود، فكل الصالحين مآلهم إلى الجنة.